محمد حسين هيكل
163
حياة محمد ( ص )
تطمع قريشا فيهم . وهذه المداورة هي ما وقع ؛ ووقع من رجال كحمزة سريعين إلى الغضب لا تكفي لصدّهم عن القتال وساطة موادع يدعو إلى السلم ما لم تكن المناوشة الحربية ثم الامساك عن القتال في عزّة وكرامة ، سياسة مرسومة ، وخطة مبيتة يقصد بها إلى درك غايات معينة ، هي ما ذكرنا من تخويف اليهود من ناحية ، والسعي من ناحية أخرى للاتفاق مع قريش على ترك الدعوة للدين وإقامة شعائره حرة مطلقة من غير حاجة إلى حرب أو قتال . الإسلام والقتال وليس معنى هذا أن الإسلام كان يومئذ ينكر القتال دفاعا عن النفس ودفاعا عن العقيدة ، دفعا لمن يريد فتنة صاحبها عنها . كلا ! بل إن الإسلام ليفرض هذا الدفاع . وإنما معناه أن الإسلام . كان يومئذ ، كما هو اليوم وكما كان دائما ، ينكر حرب الاعتداء : ( وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) « 1 » . وإذا كان لدى المهاجرين يومئذ ما يبيح لهم اقتضاء ما حجزت قريش من أموالهم عند هجرتهم فإن دفع فتنة المؤمنين عن دينهم كان أكبر عند اللّه ورسوله ، وكان الغاية الأولى التي شرع من أجلها القتال . سرية عبد اللّه بن جحش والحجة على ذلك ما نزل من الآيات في سريّة عبد اللّه بن جحش الأسديّ ، فقد بعثه رسول اللّه في رجب من تلك السنة الثانية للهجرة ومعه جماعة من المهاجرين ، ودفع إليه كتابا وأمره ألا ينظر فيه إلا بعد يومين من مسيره ، فيمضي لما أمره ولا يستكره من أصحابه أحدا . وفتح عبد اللّه الكتاب بعد يومين ، فإذا فيه : « إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة ( بين مكة والطائف ) فترصّد بها قريشا وتعلّم لنا من أخبارهم » . وعلم أصحابه بالأمر وبأنه لا يستكره أحدا منهم ، فمضوا معه جميعا خلا سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ وعتبة بن غزوان اللّذين هبا يطلبان بعيرا لهما ضل فأسرتهما قريش . وسار عبد اللّه ومن معه حتى نزلوا نخلة . هناك مرت بهم عير لقريش تحمل تجارة عليها عمرو بن الحضرمي ؛ وكان يومئذ آخر شهر رجب . وذكر عبد اللّه بن جحش ومن معه من المهاجرين ما صنعت قريش بهم وما حجزت من أموالهم ، وتشاوروا وقال بعضهم لبعض : « واللّه لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به . ولئن قتلتموهم لتقتلّنهم في الشهر الحرام » . وترددوا وهابوا الإقدام ، ثم شجعوا أنفسهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم . ورمى أحدهم عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله وأسر المسلمون رجلين من قريش . الفتنة أكبر من القتل وأقبل عبد اللّه بن جحش بالعير والأسيرين حتى قدموا المدينة على الرسول وحجز القوم لمحمد من مغنمهم الخمس . فلما رآهم قال لهم : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ؛ ووقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا . وأسقط في يد عبد اللّه بن جحش وأصحابه ، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين بما صنعوا . وانتهزت قريش الفرصة فأثارت ثائرة الدعاية ونادت في كل مكان : إن محمدا وأصحابه استحلّوا الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدّم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا الرجال . وأجاب المسلمون الذين كانوا بمكة أن إخوانهم في الدين من المهاجرين إلى المدينة إنما أصابوا في شعبان . ودخلت اليهود تريد إشعال نار الفتنة ، إذ ذاك
--> ( 1 ) سورة البقرة آية 190 .